محمود محمود الغراب
19
الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر
ونهيه ، وتكوينه بلا واسطة لسان ولا جارحة ولا مخلوق غيره ، فإن صح له المعنى في ذلك ، فهو على بينة من ربه في كماله ، فإنه عنده شاهد منه أي من نفسه ، فإن أمر أو نهى أو شرع في التكوين بوساطة جارحة من جوارحه ، فلم يقع شيء من ذلك ، أو وقع في شيء دون شيء ولم يعم ، مع عموم ذلك بترك الواسطة ، فقد كمل ، ولا يقدح في كماله ما لم يقع في الوجود عن أمره بالواسطة ، فإن الصورة الإلهية بهذا ظهرت في الوجود ، فإنه تعالى أمر عباده على ألسنة رسله عليهم السلام وفي كتبه ، فمنهم من أطاع ومنهم من عصى ، وبارتفاع الوسائط لا سبيل إلا الطاعة خاصة ، لا يصح ولا تمكن إباية ، فيشترك الإنسان الحيوان مع الكامل في الأدوات الصناعية ، التي بها يتوصل إلى مصنوع ما مما يفعل بالأيدي ، ويزيد الكامل عليه بالفعل بالهمة ، فأدواته همته ، وهي له بمنزلة الإرادة الإلهية إذا توجهت على إيجاد شيء ، فمن المحال أن لا يكون ذلك الشيء المراد ، ومن هنا قال من قال : إن الخيال هو الحقيقة المعبر عنه بالإنسان الكامل ، فإنه أثبت إلحاق الخيال في قوة الإيجاد بالحق ما عدا نفسه ، فإنه ماثمّ على الصورة الحقية مثله ، فإنه يوجد في نفسه كل معلوم ما عدا نفسه ، والحق نسبة الموجودات إليه مثل هذه النسبة . ( ف ح 3 / 295 ، 298 ، 290 ) . ومع هذا التمكن والتحقق ، فإذا أقامك الحق في العبودة المطلقة ، التي ما فيها ربوبية ، فأنت خليفة له حقا ، فإنه لا حكم للمستخلف فيما ولى فيه خليفة عنه جملة واحدة ، فاستخلفه في العبودة ، فلا حظّ للربوبية فيها ، لأن الخليفة استقل بها استقلالا ذاتيا ، فهو بيد اللّه وفي ملك اللّه . ( ف ح 3 / 371 ) . الملائكة جهلت الإنسان الكامل ومرتبته : إنّ اللّه ما خلق أولا من هذا النوع إلا الكامل وهو آدم عليه السلام ، ثم أبان الحق عن مرتبة الكمال لهذا النوع ، فمن حازها منه فهو الإنسان الذي أريده ، ومن نزل عن تلك المرتبة ، فعنده من الإنسانية بحسب ما تبقى له ، وليس في الموجودات من وسع الحق سواه ، وما وسعه إلا بقبول الصورة ، فهو مجلى الحق ، والحق مجلى حقائق العالم بروحه الذي هو الإنسان ، الذي هو آخر نوع ظهر ، فأوليته حق وآخريته خلق ، فهو الأول من حيث الصورة الإلهية ، والآخر من حيث الصورة الكونية ، والظاهر بالصورتين ، والباطن عن